الخميس , أغسطس 16 2018

جنرال الأزهر /الصحفي أحمد فال ولد الدين

لا أرمُقُ محيّا شيخ الأزهر – أو جنراله على الأصح- إلا تذكرت عبارة بليغة كان علماء المسلمين يرددونها قديما: “إذا أكل العالِمُ من مرْقة السلطان احترق لسانُه عن قول الحق”. ولا أردد النظر في مواقفه مما تمور به مصرُ ومساهمته فيها إلا ازددتُ اقتناعا بقدرة حسني مبارك على اقتناص طراز رجاله بدهاء.
فلقد نجح هذا الجنرال المعمّمُ في الظهور حيث كان ينبغي أن يختفي، وفي الاختفاء حيث كان ينبغي أن يظهر. فعندما قرر عسكريٌ متعطشٌ للسلطة والدمِ الانقلابَ على رئيس منتخب جاء الجنرال الأزهري مُتلففاً بعباءته يتعثر بين العباءة القبطية والبرادعية ليسوغ اغتيال أحلام المصريين بالكرامة الآدمية. أما عندما سالت دماء المصلين صبيحة مجزرة الحرس الجمهوري فأعلن السيد أحمد الطيب أنه معتكف! وعندما سالت دماؤهم أخيرا في أنحاء مصر كلها أعلن أنه لم يكن على علم بنية فض الاعتصام.

كنتُ لحظتها أرْمُقُ التلفازَ وقلبي يكاد يقفز من بين جنبي مرددا: “وإنْ يروا سبيلَ الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإنْ يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلا!”.

لقد ظل للأزهر في النفس المصرية الشعبية مكانة مرموقة وموقعا خاصا إلى أن جاءت قامات مثل شيخه الحالي فقزّمتْه إلى مقاسها العقلي والنفسي. لقد ظل الأزهر تاريخيا مؤسسة أهلية منفصلة عن السلطان تحظى بشعبية هائلة بين الناس. لكن من أدوأ الداء الذي زرعه العسكر في مصر خلال سنوات حكمهم العجاف إحكام قبضتهم على الأزهر وربطه بأمن بالدولة، انتهاءً بتعيين مشايخه بدل انتخابهم.

عندما وصل المحتل الفرنسي نابليون إلى مصر وجه كل طعناته الأولى للأزهر لعلمه بمكامن القُوى في المجتمع. فالأزهر يمكن أن يجيّر ليصبح كتيبة من جحافل الظالم كما يمكن أن يستقل فيصبحَ أقوى قلعة لصد الطغاة والغزاة.

لقد فهم جمال عبد الناصر وخلفاؤه من بعده ذلك جيدا وطبقوه.

أدت تلك الإجراءات إلى وصول شخص مثل الجنرال أحمد الطيب إلى مرتبة شيخ الأزهر في النهاية. لقد كان أدنى حالات شيوخ الأزهر المساهمة في الحياة الثقافية على الأقل حتى بعد إخضاع العمامة للحذاء العسكري. فكان شيخ الأزهر دائما شخصية تُثري الثقافة على الأقل – مثل محمود شلتوت وعبد الحليم محمود وآخرون. لكن الانحدار أوصل في النهاية إلى أحمد الطيب، حيث لا إسهام مقنعا في ميادين الثقافة، ولا مواقف مشرفة في ابتلاءات الحياة. بل لسانٌ كليل عن قول الحق، وعقلٌ عاجز عن إثراء الفكر.

لكن ما يحيرني أنه إذا كان أحمد الطيب لا يؤمن بالمُثُلِ ولا يخشى ربه، وكل ما يهمه أمر الدنيا فكيف غاب عنه أن للدنيا طريقا كان يمكن نيله بطريقة أفضل وأشرف.

فلولا الخَوَرُ لاستطاع ضابط الأزهر أن يجد لنفسه مكانة تقود إلى أن يحترمه الجميع بعيدا عن الإيغال في مشروع المؤسسة العسكرية التي أتت به. كان يمكن أن يتبنى مبادرة جادة، أو ينزل إلى الميادين معلنا حياده –وإن كان زائفا- ودعوته للجميع أن يتفقوا سريعا. حتى خطوات باردة مثل هذه عجز عنها الضابط الأزهري.
لكن المتأمل في تاريخ أحمد الطيب لا يُفاجأ برسوخ قدمه في المداهنة وعلوّ كعبه في تملق العسكر وعطفه على الاستبداد.
فالرجل اختاره مبارك تحت ضغط عالم ما بعد 11 من سبتمبر، فعينه شيخا للأزهر عام 2003. وأنت إذا تأملت في اختيار الرجل لمنصب ديني حساس في تلك الأيام ستفهم درجة الثقة فيه. لقد نثر مبارك كنانتَه في تلك الأيام -وعجمَها عوداً عوداً- فلم يجد أصلح للمنصب منه. ومن المعبر عن نمط تفكير الرجل أنه كان عضوا بلجنة السياسيات العامة لحزب مبارك، فطلب منه البعض الاستقالة بعد تعيينه على الأزهر فرفض رفضا باتا.

يُروى عن الإمام أحمد بن حنبل، أن أحد حراس السجن سأله: هل أنا من أعوان الظلمة؟ فقال له: لا، لستَ من أعوان الظلمة. إنما أعوان الظلمة من يخيط لك ثوبك ويطهو لك طعامك. أما أنت فمن الظلمة أنفسهم!

إن شيخ الأزهر من الظلمة
* كتب هذا المقال ونشر عام 2013 بعيد مجزرة رابعة.

شاهد أيضاً

عناق الثقافة والادب والفن سمات مهرجان الترارزة للثقافة والفنون

 أنطلقت ليلة البارحة بمقاطعة واد الناقة فعاليات مهرجان الترارزة للثقافة والفنون في نسخته الثانية بالتعاون …

حصيلة اشتباك الدورية الموريتانية مع عنصر معادي

أصدرت الأركان العامة للجيوش اليوم الجمعة بيانا صحفيا اكدت فيه اشتباك دورية من المنطقة العسكرية …

ولد العربي على رأس لائحة حزب الكتل في مدينة نواذيبو

 أعلن حزب الكتل الموريتانية المعروف اختصارا ب”حكم”عن لائحته التي ستخوض الانتخابات المقبلة على مستوى مدينة …

فرع حزب اللقاء الديمقراطي بتوجنين ينظم تظاهرة سياسية تحضيرا للانتخابات

احتضنت مقاطعة توجنين بولاية نواكشوط الشمالية مساء اليوم الأربعاء تظاهرة سياسية منظمة من طرف فرع …

ولد عينين يوقع “الأوتار” في بيت شعر نواكشوط

وقع الشاعر الموريتاني القاضي ولد محمد عينينَ ديوانه الجديد “أوتار”، مساء اليوم الثلاثاء، بمقر بيت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *