السبت , مايو 26 2018

الجريمة السياسية في موريتانيا … من المسؤول؟

عندما بدء في ممارسة الحكم تكشف لنا ان اختياره لهذا المنصب لم يكن موفقا، وأن الظروف الاستعجالية التي تم فيها لم تتح لنا فرصة التعرف على توجهاته السياسية، وعلاقاته الخارجية، ولا على نمط حكمه، فقد ظهر لنا من قراراته الأولى أنه ليس الرجل المناسب للمشروع الذي كنا نطمح إليه…”

العقيد محمد خونا ولد هيدالة.. تعليقا على فترة حكم ولد بوسيف..

إن الطبيعة المعقدة للجريمة السياسية في حد ذاتها واختلاف رؤية الدول في معالجتها، حسب طبيعة نظامها السياسي، و صعوبة وضع تعريف محدد لمصطلح “السياسة” نفسه يجعل باب التأويل  مفتوحا لكل الفرضيات ..

عادة ما تتم التهيئة لتغيير الانظمة بشكل كلاكسي عبر تهييج الشارع ليخرج عن السيطرة وبث حالة من الفوضى، في محاولة لإظهار هشاشة السلطة ، وأحيانا يتم اللجوء لأساليب مختلفة..

في الثامن مايو 1979 شهد الشارع الموريتاني اوضاعا مماثلة بعد جولة رئيس الوزراء التي شملت باريس ومدريد والرباط، وقد أبانت بوضوح عن بوصلة سياسته الخارجية، كما اظهرت عزمه على توقيع سلام مشرف لموريتانيا لا تتنازل بموجه عن الأرض، أو أن تحصل على سلام عادل حسب الرجل.

السؤوال الذي لا يستحضره الكثيرون للإجابة على أسئلة هامة كثيرة هو كيف كانت الوضعية السياسية للبلاد قبل وفاة المقدم أحمد ولد بوسيف، والوضعية التي باتت عليها بعد وفاته ؟

ظهور  الخلافات للعلن..

بالعودة إلى الوضعية السياسية التي كانت تعيشها موريتانيا في تلك الفترة، نرى بانها تميزت بحراك دبلوماسي نشط للعقيد أحمد ولد بوسيف رئيس الوزراء، بعد توقف المعارك، واللجوء للتصريحات السياسية بديلا عن الاحتكام لفوهة المدافع التي اخمدت في الخطوط الأمامية للجبهات ترقبا لحل سياسي كانت موريتانيا هي صاحبت الموقف الأقوى خلاله عسكريا وسياسيا، وقانونيا وتاريخيا، وباتت بعد رحيل ولد بوسيف أضعف عسكريا وسياسيا وقانونيا…

توقف القتال لم يكن يعني لرئاسة الحكومة الجديدة سوى البحث عن سلام مشرف وإلا فلا معنى لتلك الحرب،  وهو ما بات جليا من خلال مبادرات رئيس الوزراء خلال جولاته التي لم يهدء فيها بحثا عن صيغة تؤمن حلا سياسيا لائقا لموريتانيا  ، مثلما كان تماما في جبهات القتال صامدا شريفا وطنيا بكل المقايس يقول ولد بوسيف:” نحن مع السلام ولكن ليس بأي ثمن”.

إلا أنه خلال بحث رئيس الوزراء عن  صيغة مشرفة للسلام  خرج الصراع داخل الحكومة العسكرية إلى العلن، وبات وبرزا محوران يدفعان في اتجاه مختلف، ويتجلى ذلك بوضوح في بروتوكول طرابلس بين السلطات الموريتانية ممثلة في وزير الخارجية أحمد ولد عبدالله ونظيره الليبي، والذي تم خلاله الاتفاق على تسليم الأرض مقابل اتفاقيات اقتصادية، وسلام دائم، لكن تمرير الاتفاق كان بحاجة إلى توقيع رئيس الحكومة الموريتانية وقد اتفق الطرفان على تاريخ 26 مايو للتوقيع الرسمي.

إلا أن المفاجأة كانت مدوية وصادمة لرعاة الاتفاق الليبين، وللموريتانيين والصحراويين على حد سواء، عندما أوضح رئيس الحكومة رفضه لذلك البرتوكول وعبر عن ذلك   في تصريح للصحافة الفرنسية أثناء تواجده في باريس قائلا بأنه لا علم له بالأمر.

يقول ولد بوسيف:”..كنت قد عبرت عن رغبتنا في السلام خلال التغيير الذي حصل في بلادنا…وقد أصدرت الأمم المتحدة قرارين بخصوص الصحراء الغربية، أولهما يعهد بموجبه لموريتانيا والمغرب بإدارة الصحراء، اما الثاني فيتعلق بمبدء تقرير المصير، وموريتانيا قد صادقت على هاذين القرارين وهي مستعدة للحوار حول مضمونهما”..من المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء الموريتاني .

إذا هكذا كان توجه أحمد ولد بوسيف وهي السياسة التي كان من الواضح أن اطرافا في الجيش والحكومة تعارضها بشدة.

ويبقى السؤوال المطروح : هل حاول وزير الخارجية وضع رئيس الحكومة أمام الأمر الواقع؟

دعونا نتساءل بصيغة اكثر وضوحا:  هل كان سفر أحمد ولد عبد الله  بدون علم الوزير الأول،  وبدعم وإيعاز من وزير الدفاع ، وقائد الجيش المقرب عائليا من وزير الخارجية؟

تشبث احمد ولد بوسيف بالاراضي التي استرجعت بموجب اتفاقية مدريد 1975 ظهر جليا خلال تصريحه بالقول انه لم يكن في مخيلة موريتانيا التخلي عن تيرس الغربية “الصحراء”، حسب ما أوردت جريدة الصباح المغربية في الثالث من مايو 1979، أسبوعين قبل وفاته، وذلك في تعليق على زيارة وزير الخارجية احمو ولد عبد الله لطرابلس ولقاءه بالصحراويين. إلا أن سياسة رئيس الحكومة لم يكن بالإمكان تطبيقها على أرض الواقع في ظل معارضة قادة في الجيش.

ويتضح ذلك من تصريح العقيد هيدالة في مذكراته”من القصر إلى الأسر” والذي قال فيه :”… رئيس الحكومة الموريتانية المقدم أحمد ولد بوسيف كان يسعى لتعيين “كادير” في منصب قائد أركان الجيش بعد رجوعه من داكار”.

الشهادة توضح ان رئيس الحكومة كان يحتاج لقبضة قوية على الجيش حتى يتسنى له تطبيق سياسته الرامية للتمسك بتيرس الغربية،والبحث عن سلام عادل مع الاشقاء الصحراويين، وهو ذات الامر الذي سعى إليه المصطفى ولد محمد السالك.

وهو ما ينقاضه برتوكول طرابلس الذي ينص على سلام دائم مع البوليزاريو مقابل التنازل عن المنطقة حسب توفيق فياج كتاب مشكلة الصحراء الصفحة 272، وكذلك يومية غد افريقيا التي اصدرت هذا الاتفاق حرفيا.

تناقضات سياسية الحكومة الموريتانية طفت على السطح، فمن جهة يوقع وزير الخارجية برتوكول اتفاق بدعم من قادة في الجيش، بينما يقول رئيس الحكومة ـ المتواجد في باريس حينها ـ بأنه لا علم له بالأمر أثناء خروجه من مقابلة مع رئيس الحكومة الفرنسية فاليري جسكار دستاه.

وفي شهادة أخرى اوضح ولد بوسيف بأن السعي للسلام لا يجب أن يسبب مشاكل مع الجيران حسب جون آفريك العدد 954 بتاريخ 18 أبريل 1979.

كل تلك الأحداث الدراماتيكية  تعيدنا للبرنامج الاخير عن حياة الراحل أحمد ولد بوسيف وشهادات قيادات سياسية وعسكرية كانت فاعلة في تلك الحقبة، فقد صرح وزير الخارجية أحمد ولد عبد الله ـ في تناقض واضح ـ قائلا بأن أحمد ولد بوسيف كان صاحب

شاهد أيضاً

وفاة شاب أضرم النار في جسمه

تحدثت تقارير صحفية اليوم من مدينة لعيون الصحراوية أن الشاب الذي أضرم النارفي جسمه  في …

حريق يربك حركة المرور

ارتبكت حركة المرور على طريق نواذيبو بمقاطع تفرغ زينه في نواكشوط، إثر اشتعال سيارة رباعية …

مقتل شاب موريتاني في طريقه إلى المسجد

ذكرت مصادر خاصة لموقع الخبر الموريتاني أن شابا موريتانيا وقع ضحية جريمة قتل بدم بارد …

حادث مروري يخلف ضحايا بالرياض

تداول نشطاء ومدونون على شبكات التواصل الاجتماعي الصور المرفقة من حادث سير وقع بمقاطعة الرياض …

جريمة قتل جديدة تهز منطقة عرفات

هزت جريمة قتل بشعة سكان مقاطعة عرفات في الحي الواقع بين العمودين 14 و 15 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *